الشيخ محمد رشيد رضا
416
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والحرمان من العناية والالطاف : إن هذا الصنف وحده هو المحروم من ذلك . أم الحرمان شامل لغيره من أصناف الضالين ؟ وهل يستلزم حرمانه من ذلك اليأس من هدايته ثانية أم لا ؟ لا يمكنهم أن يقولوا في هذا الباب ما تقوم به الحجة ويسلم من الايرادات التي لا تدفع . والصواب أنه لا مانع يمنع من عودة هذا الصنف من الضالين إلى الهدى لان علمه بحقيقة ما كان عليه ، وبطلان ما صار اليه ، لا يبرح يلومه ويوبخه على ما فعله ، ولا يبعد أن يجيء يوم يكون فيه الفلج له ، أما السبب الذي يحمل من تبين له الهدى على تركه فهو لا بد أن يكون حالا من الأحوال النفسانية القوية كالحسد والبغي ، وحب الرياسة والكبر ، والشهوة العالبة على العقل ، والعصبية للجنس . والقول الجامع فيه اتباع هوى النفس ، وقد ثبت أن بعض أحبار اليهود قد تبين لهم صدق دعوة النبي ( ص ) فتولوا عنها حسدا له وللعرب أن يكون منهم خاتم النبيين ، وايثارا لرياستهم في قومهم ، على أن يكونوا مرءوسين في غيرهم ، وارتداد جبلة بن الأيهم عن الاسلام ، لما رأى أنه يساوي بينه وبين من لطمه من السوقة ، وارتد أناس في أزمنة مختلفة عن دينهم لافتتانهم ببعض النساء من الكفار . وعلة ذلك كله أي علة تأثير هذه الأسباب في نفوس بعض الناس هي ضعف النفس ومرض الإرادة بجريان صاحبها من أول نشأته على هواه وعدم تربيتها على تحمل ما لا تحب في العاجل لأجل الخبر الآجل ، وهذا هو مرادنا من ارجاع جميع الأسباب إلى اتباع الهوى وهو ما أشرنا اليه من قبل . وهو يرجع إلى ما قلنا من أن الانسان مفطور عليه من ترجيح ما يرى أنه خير له وأنفع ، وصاحب الهوى المتبع لا يتمثل له النفع الآجل ، كما يستحوذ عليه النفع العاجل ، لضعف نفسه ومهانتها وعجزها عن الوقوف في مهب الهوى من غير أن تميل معه . وقد حكي أن الحجاج مد سماطا عاما للناس فجعلوا يأكلون وهو ينظر إليهم ، فرأى فيهم اعرابيا يأكل بشره شديد فلما جاءت الحلوى ترك الطعام ووثب يريدها ، فأمر الحجاج سيافه ان ينادي : من أكل من هذه الحلوى قطعت عنقه بأمر الأمير - والحجاج يقول ويفعل - فصار الاعرابي ينظر إلى السياف نظرة وإلى الحلوى نظرة - كأنه يرجح بين حلاتها ومرارة الموت ولم يلبث أن ظهر له